بناتي

بناتي

حاولت الفرار و لو للحظات من هذا الجو الصاخب ، هذه السحب من الدخان الذي عبأ المكان ،

انزويت إلى إحدى الشرفات ، سحبت شهيقا عميقا ملأت به رئتاي ، لذة برودة الهواء المنعش و عبقه أخذني مما أنا فيه ،

تطلعت إلى البدر ، وجدته يتابعني ، ازدادت ابتسامته اتساعا ، بسط جناحه ، صعدت سعيدا ، راح يسبح بي هناك بين الحقول الخضراء ،

وجدتني أجري بين أقراني ، نلهو و نلعب، نفتح أذرعنا لموجات الهواء المتتالية ، نعانقها ، أخذنا نبحث عن بلاطات سبع ،

نصفها فوق بعضها البعض ، نحاول إسقاطهن بكرتنا التي صنعناها من قصاصات ملابسنا البالية ، و عندما ننجح ، نلوذ بالفرار ،

نختبئ بين أعواد الذرة ، يجتهد الخصوم في البحث عنا ، حتى إذا ما ابتعدوا ، تسللنا خلسة نحاول صفها فوق بعضها مرة أخرى ،

يحاولون إصابتنا بالكرة ، و لكن لا فائدة فلقد أنجزنا مهمتنا و فزنا ، أخذنا نقفز في الهواء نكبر و نهلل ، يا لها من سعادة ، فرحة الانتصار ،

………………………………. كف ثقيلة تضرب كتفي ، تسحبني من براءة طفولتي ، انظر تجاه صاحبها ) ـ مسعود ؟ ـ ما بك يا رجل ؟

و كأنك لست فرحا بالجائزة ؟ ( صفير تنهيدة خرجت رغما عني ) ـ هيا ، هيا ، إنهم ينادونك لاستلامها .

( حاولت التراجع إلا أنه سحبني عنوة إلى داخل القاعة ) ـ الأستاذ محمد سنجر يتفضل لاستلام الجائزة .

(تقدمت وسط الجموع حتى وصلت إلى منصة التتويج ، مد أحدهم يده مهنئا بينما ناولني الجائزة ، تناولتها ، وضعتها جانبا ،

تناولت الميكروفون من الأخت التي تقدم الحفل ) ـ السلام عليكم ( حاولت انتقاء الكلمات ) الإخوة الأعزاء ،

شكرا جزيلا لكم على هذا اللقاء الذي جمعنا سويا ، و لكن صدقوني أيها الأفاضل لو قلت لكم أنني لم أتقدم يوما لنيل جائزة ،

و لكن أحد الأحبة هو الذي تقدم بها نيابة عني ، و أرجو ألا تنعتونني بالجنون إذا ما قلت لكم أن فرحتي بالنجاح في صف ( السبع بلاطات )

أيام الطفولة أكثر بكثير من فرحتي بهذه الجائزة . ( أخذت الهمهمات تتردد بين الجالسين ) ـ عفوا يا جماعة ، أرجو ألا يغضب مني أحد ،

فلقد خطرت لي فكرة مجنونة ، ما رأيكم الآن إذا قمت بعمل مسابقة على هذه الجائزة ، مسابقة بين بناتكم لاختيار أجمل بنت في هذا الحفل ،

هيا ، هيا ، فليقدم كل منكم ابنته لنيل الجائزة ، ( جحظت العيون ، تلعثمت الألسنة ، لحظات مرت و لحظات ، الجميع تسمروا في أماكنهم )

ـ هيه أيها المبجلون ، لماذا لا يتقدم أحدكم بابنته ؟ لماذا لا تقدمون بناتكم لاختيار إحداهن كأجمل بنت في الحفل ؟ ( ناديت ابنتي )

ـ ســــــــــــارة ، تعالي يا ابنتي ، ( تقدمت سارة حتى وقفت بجواري ، وضعت كفي فوق رأسها ) ـ لا عجب ،

فأنا أيضا لا أوافق أن تكون ابنتي في موضع كهذا ، نعم فابنتي عندي هي أجمل من في الكون ، هل يقبل أحدكم أن أبادله ابنته ببنت (عجرم)

أو بنت (وهبي) أو أيا كانت ممن يتندرون بهن هذه الأيام ؟ هل تقبلون ؟ حتى لو ضربتم لي كل هؤلاء في (خلاط) لعمل (كوكتيل) منهن جميعا ،

فأطراف أظافر ابنتي التي تقصها كل عدة أيام أجمل عندي و أرق و أحلى و أطعم و ألذ منهن جميعا ، قصصي بناتي ،

و لذلك لم أفرح يوما بفوز إحدى بناتي بجائزة أفضل قصة ، و لم أحزن أبدا لعدم فوز إحداهن بجائزة ملكة الجمال ،

فهن عندي أجمل بنات الكون .


يا ليتني

تراقصت الصورة بعيني ، حاولت كبت هذه التأوهات التي تفور بصدري ، دمعة ساخنة فرت على خدي ، خفت أن يلمحها احد ،

مددت أطراف أصابعي أمسحها ، يبدو أنه أحس بما يعتريني ، بادرني ) ـ ما بك يا محمد ؟

( تنهيدة فلتت مني خارجة ، تلعثمت الحروف فوق شفتاي ) ـ لا … لا شيء يا أبي … فقط بعض أمواج من الخواطر تلاطمني .

ـ و ما هي هذه الأمواج التي فعلت بك كل هذا ؟ ـ ماذا فعلت بي ؟ ـ انظر لنفسك بالمرآة يا بني ، هيه ،

هل لي أن أعرفها أم هناك ما يجب أن تخفيه عني ؟ ـ لا يا والدي ، إنما هو هاجس كثيرا ما أقلق منامي . ـ خير إن شاء الله يا بني ؟

ـ لماذا يا أبي ولدت الآن في هذه الأيام العجاف ؟ لماذا لم يقدر لي أن أولد في عهد رسول الله صلوات ربي و سلامه عليه ؟

لعلي كنت أحد صحابته صلى الله عليه و سلم ….. ـ لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ،

و من الذي أخبرك بأنك وقتها ستكون أحد صحابته عليه الصلاة و السلام ؟ ألا تعلم أنك من الممكن وقتها أن تكون (أبا جهل) ،

أو (الوليد بن المغيرة) ، أو (أبا لهب) أو على الأقل (عبد الله بن أبي بن سلول) رأس النفاق و العياذ بالله ؟ ـ أعوذ بالله ، استغفر الله العلي العظيم ….

ـ نعم ، استغفر الله يا بني ، و احمد الله على ما أنت فيه ، فهو العليم الرحمن الرحيم ، نعم فهو أعلم بنا ، و لن يرضى لنا أبدا إلا الخير فقط ،

و لذلك لم يحملنا عز و جل ما لا طاقة لنا به .


الشيخ جبر

( نظرت لأعلى ، انتابني خوف شديد من شدة صراخه ، أخذ المنبر الخشبي يرتعد من تحته ، حاولت استبيان ما يقول ،

لا فائدة ، صراخه أخذ يتعالى و يتعالى ) ـ حرام عليكم ، حرااااااام عليـكــــــــــــــم ، حرااااااام ، حرااااااااااام ،حرااااااااااااااااااااااااااام

( أخذ يصرخ بها حتى بح صوته ، عندها تذكرت ما فعله بي ، أليس ما فعلته أول أمس أيضا حرااااااااااااااام ؟

نظرت إلى الخطوط الزرقاء التي رسمها على كفي بعصاه ، كل هذا الألم لأنني أخطأت في كلمة واحدة ؟

كلمة واحدة فقط وأنا أقرأ عليه ما حفظت من القرآن ، أضررت يومها لإخفاء الأمر عن أبي خوفا من تزايد عدد الخطوط ،

نظرت إليه ، وجهت كفي من مكانهما خلسة للسماء ) ـ إلهي يا رب المنبر اللي أنت واقف عليه يتكسر بك و تتدحرج من فوقه درجة درجة يا بعيد ،

و ينزل على راسك يكسرها ما يعرفوا وشك من قفاك ، و يا رب تكون بعد صلاة عشاء و أنت في المسجد لوحدك

ما تلاقي حد يحوشك أو يساعدك أو يشيلك ، قادر يا كريم . ( أعادني صراخه مرة أخرى ، نظرت إليه و أنا أرتعد من شدة الخوف ،

عيناه يتطاير منها الشرر ، أخذ يتمايل يمينا و يسارا ) ـ أيها الخسيـــــــس ، أيها التعيــــــــــــــس ، أيها الحقيــــــــــــــــر ،

أيها الخنزيـــــــــــــــــر ، أيها ال…. ( مددت يدي بجيب جلبابي خلسة ، حاولت ألا يراني أبي الجالس إلى جواري ،

أخرجت قطعة من القطن الذي أحتفظ به لمثل هذه الظروف ، فرقتها إلى نصفين ، دسستهما بأذني ، لا فائدة ، ما زال صراخه يغتصب سمعي )

ـ أيها الزااااااااااااني ، أيها السااااااارق ، أيها الماااااااارق ، أيها الفاااااااااااااااااااسق ، أيها ال………..

( لم أجد مفرا إلا بسد أذني بإصبعي السبابة ، طاردتني العيون من حولي ، نظرت إلى عيون أبي فإذا بسهام التوبيخ تنطلق تجاهي ،

نزعت أصابعي بسرعة من شدة الرعب ، جاءني صوت الشيخ ثانية ، يدق رأسي دقا ، يمزق طبلة أذني تمزيقا ،

يفترس كل ما بداخلي ، أمواج من الألم تلاحقني ) ـ يا كااااااااافر ، يا فاااااااااااجر ، يا عااااااااهر ، يا خاااااااسر ،

يا ماااااااجن ، يا زنديـــــــــــق ، يا زنديــــــــــــــق ، يا زنديـــــــــــــــــق ، يا …………

( لااااااااااااااااااااااااااااا ، سيطر على رأسي ألم رهيب رهيب ، أحاول بكل ما أوتيت من قوة مقاومته و لا أستطيع ،

مستحيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ، بوق المجهر يكاد ينطلق إلى داخل أذني ، جسدي يهتز بشدة من قوة ذبذباته ،

قلبي و أطرافي ترتعد من هول اهتزازاته ، شيء عملاق أمسك بمطرقة مهولة و أخذ يدق رأسي دقا دقا ،

وضعت رأسي بين كفي أسد بهما أذني ثانية ، باغتتني وكزة خاطفة من أبي ، لم أجد أمامي إلا الفرار إلى دورات المياه ،

انطلقت أبحث عن ملاذ آمن ، تعرقلت بأقدام المصلين ، هويت مرتطما بأجسادهم ، حاول البعض مساعدتي على الوقوف ،

وقفت بينما أحاول التخلص من بين أياديهم ، و انطلقت ثانية ، بكاء شديد أخذ يغلي بصدري ، خفت أن يسمع صوتي أحد ،

أسرعت إلى صنبور المياه ، فتحته ، وضعت رأسي تحته ، أخذت أبكي وأبكي و أبكي ،

ذابت ملوحة دموعي و انطفأت سخونتها وسط برودة المياه العذبة ، تلاشي صوت بكائي خلف هدير شلالات المياه المتساقطة ،

سحبتني بين دواماتها ، لفتني ، أغرقتني ، أخذتني بعيدا بعيدا ، إلى حيث كنت اجلس إلى جدي ( الشيخ علي ) رحمة الله عليه ،

ما زالت صورته محفورة بعيني ، يلون وجهه و لحيته الطويلة البيضاء ضوء المصباح الزيتي الصغير ،

ابتسامته التي لا تفارق شفتاه تكشف ستر بعض حبات اللؤلؤ المتبقية و التي تحاول الاختباء ،

يجلس في طمأنينة و سكينة إلى ( طبلية ) خشبية مستديرة ، كان يجمعنا حولها كل مساء ، يحكي لنا الحكايات ،

يمسك بكتابه العتيق الذي خضب الزمن أوراقه البيضاء بالاصفرار ، كم كنا نشتاق لسماع صوته كلما سكت للحظات ،

نتلذذ بمداعبة آذاننا بعذوبته ، نطرب لشدو بلابل حروفه التي تتسلل في حنان و رقة إلى القلوب ، وجدته يتطلع إلي بنظرة حانية ،

يعبق كياني طيب حروفه التي تنزل على سمعي بردا و سلاما ، يدغدغ مشاعري بهمسه الحاني في أذني.

( و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )

بقلم : محمد سنجر