إنا انطيناك الكوثر ..

مقال رائع أعجبني محتواه وأتصور أن يعجب الكثير
ويوضح ضحالة علمنا ومعلوماتنا في ديينا وفي كتابنا الذي مفترض إن نكون

قبل فترة دخلت مسجد قباء متأخرا فصليت مع جماعة من الزوار من خارج المملكة.. وبعد الفاتحة قرأ
الإمام سورة الكوثر بلفظ { إنا أنطيناك الكوثر} فرد عليه رجل من ‘ربعنا’ { إنا أعطيناك الكوثر} فعاد الإمام
وقرأها { إنا أنطيناك الكوثر} فرد عليه الرجل مرتين وثلاثاً بدون أن يتزحزح الإمام عن موقفه..
وبعد انتهاء الصلاة ألقى ‘المأموم’ محاضرة على ‘الزائرين’ ناصحا إياهم بتعديل لسانهم المعوج ومذكرا
فيها بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين (.. ولم يعلم سيادته أنه نزل أيضا على سبعة أحرف)!!
… وكنت قد سمعت قصة مشابهة من أحد الأصدقاء حيث قرأ الإمام الفاتحة { اهدنا الزراط المستقيم} فرد
عليه الناس { الصراط المستقيم} فعاد وقال { الزراط المستقيم) فردوا عليه مرتين وثلاثاً { الصراط المستقيم}
ولكنه أصر على موقفه الأمر الذي جعل أحد المصلين يقول بصوت مرتفع: الصراط المستقيم أو اترك الإمامة
لغيرك…

وما يحدث في مثل هذه المواقف أن الإمام يقرأ غالبا على ‘حرف‘ يناسب لهجته المحلية في حين لا يعرف
المأمومون جواز قراءة القرآن على هذا الحرف أو ذاك..

ومواقف كهذه ظهرت منذ عهد النبوة حيث خفي حتى على بعض الصحابة الوجوه المتعددة لقراءة القرآن الكريم
(مثل عمر بن الخطاب الذي سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على حروف لم يسمعها من قبل)
وجميعها انتهت بإجازتها من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم..

ورغم اختلاف العلماء في معنى ‘سبعة أحرف‘ إلا أن أشهرها قولهم إنها سبع لهجات كانت شائعة
لدى قبائل العرب في ذلك الوقت.. وبهذا الشأن يقول الزركشي: نزل القرآن بعضه بلغة قريش، وبعضه
بلغه هذيل، وبعضه بلغة تميم، وبعضه بلغة أزد وربيعه، وبعضه بلغة هوازن وسعد وهكذا … وهذه اللهجات
(رغم أنها عربية) إلا أن مخارجها وألفاظها توافق مخارج وألفاظ الحروف في اللغات الأجنبية كالفارسية
والحبشية والهندية والتركية
(ومن هنا ظهر علم القراءات وأصبح لكل بلد قراءته التي يشتهر بها)!!

ومن النماذج المشهورة لاختلاف مخارج الحروف بين القبائل العربية :

1- ما يعرف ‘باستبطاء قبيلة هذيل’ حيث تقلب العين نونا وبالتالي تُقرأ { إنا أعطيناك} {إنا أنطيناك} وهو قلب يُسمع
حتى اليوم في بعض دول الخليج !

2- أما قبائل قيس وتميم وأسد فاشتهرت ب’العنعنة’ حيث تقلب الهمزة عيناً بحيث يقرأ بعضهم { سعل ساعل}
بمعنى {سأل سائل} !

3- أما قبيلتا ربيعة ومضر فكانتا تقلبان الكاف شينا وكانتا تنطقان كلمتي ‘بيتك’ و’لبيك الله’ ؛ ‘بيتش’ و’لبيش الله’ وهو
ما يدعى الشنشنة (ويلاحظ حتى اليوم في اليمن وجنوب المملكة) !

4- أما قبائل حمير فكانت تقلب ‘ال’ التعريف إلى ‘أم’ وبهذا اللفظ تناقلت حديث (ليس من البر الصيام في السفر)
بلفظ (ليس من أمبر أمصيام في أمسفر) !!

5- أيضا هناك التختخة ، واللخلخة ، والكشكشة ، واليأيأة ، والخأخأة ؛ التي ميزت قبائل بعينها ولها حتى اليوم
ما يطابقها في مخارج الحروف العالمية !

ورغم أنني لست ضليعا في علم القراءات – ولا لهجات العرب ومخارج الحروف – ولكنني أرى في هذا العلم مغزيين
عظيمين يجب على الجميع استيعابهما :


الأول : احترام ثقافات ولهجات الآخرين …
والثاني : أن لا تتخذ أي جهة من نفسها مرجعا للغة والدين !!

– – – – –

فهد عامر الأحمدي
جريدة الرياض الثلاثاء 9 ربيع الأخر 1429هـ
15 أبريل 2008م – العدد 14540