(( حفــلة راقـصــة ))

مشردة تضل الطريق وبالأحجار تتعثر
ليس لها في الدنيا صديق
حتى الكلاب منها تفر وتـنـفـر

مسكينة تحاول أن تشق الطريق
من بين حشود منها تضحك وتسخر

وأطفال يرموها بالحجارة
و هي تسقط تارة
وتارة تبكي وتتفوه بكلام ركيك مكسر

جلست على رصيف قذر و السماء تمطر

تقوقعت على نفسها تحميها
من المطر وبرد العظام يكسر

أخرجت حبات عنب
من جيب معطفها الأحمر

وبدأت في التهام حبه واحدة
قبل أن يرعبها صوت رعد شق السكون

وأرعب قلبها أكثر وأكثر

لتسقط حبات العنب على الأرض
لتجرفها مياه المطر

مسكينة هذه المشردة ماذا ستأكل؟
والليل على وشك أن يحل
والظلام شيئا فشيئا بدأ يـنـتـشر

وقفت على قدميها
وبدأت تخطوا نحو المجهول
والجوع يهتك صمودها
والمطر لا يكف ينهمر

وهناك في أقصى الشمال
حيث قصر يضج بالأزهار
والأنوار وجمالا يخطف الأبصار

أخذتها قدميها حيث الأقدار شاءت لها

لتجد نفسها عن بوابه القصر
وكل أمالها أن تفتح لها

فهي جائعة وتريد أن تسد جوعها
بكسرة خبز أو فتات يلقى لها

لكن الحراس منعوها
ودفعها احدهم بقوة لتسقط على الأرض
تبكي حالها

فسألت احد الحراس :-

اسمع موسيقى واشم روائح ذكية !
يا ترى أين أنا؟ وما سبب هذه الموسيقى هنا؟

أجابها حارس بقسوة بالغة :-

أيتها التعيسة اذهبي من هنا
فاليوم سيدي الملك يقيم حفلة راقصة
وإياك أن أراك هنا

أجابته :-
أتقصد الملك الذي أحبني أنا ؟

ضحكوا الحراس وقهقهوا وقالوا :-

أي جراءة تملكين لتقولي عن سيدنا هذا الكلام
أم أنها الأحلام والمنى
والجنون عصف بعقلك فجعل الحلم ممكنا ؟

أجابت :-
اذهب وقل لسيدك الملك سرابيل هنا
أرجوك أيها الحارس اخبره فقط بأني هنا
وسترى كيف سيأتي إلي يضمني
ويقبل شفاهي التي كانت له موطنا

أجابها الحارس :-

يبدو أنك مجنونة
اغربي عن وجهي قبل أن أزج بك في السجن
هل هذا كلام تقولينه ؟؟؟

أدخلت يديها لجيب معطفها الأحمر
وأخرجت قلادة زرقاء وناولتها
للحارس قائلة:-

اذهب لسيدك واره هذه القلادة
وأنا سأنتظر هنا جوابه

جلست و الموت يحوم حولها

دعونا منها الأن
ولنرى ماذا حدث بعدها

في داخل القصر

كان الحفلة الرسمية على وشك أن تبدأ
والفرقة الموسيقية تعزف معزوفة بحيرة البجع

وفي إحدى الغرف في الدور العلوي
حيث اتخذها الملك مخدع

فجأة بابها يقرع !

ويجيب الملك :-

تفضل بالدخول

فإذا به الحارس ينحني بأدب جم
و يلقي التحية باحترام

قبل أن يبادره الملك:-

ماذا هناك أيها الحارس؟

الحارس :-

هناك امرأة عند بوابه القصر
تدعي أن بينك وبينها فصول عشق مستمر
وأنك أحببتها سنين وعمر

أجابه الملك و هو يبخ نفسه من زجاجة عطر :-

ومن تكون هي يا ترى ؟
لقد عشقوني من النساء
ما لا يحضرني ذكرهم أو عدهم

مسلسل مستمر أيها الحارس
مسلسل مستمر

أجابه الحارس :-

تدعى سرابيل سيدي
وقد أعطتني هذه القلادة التي لونها كالون البحر
وتقول أنك أهديتها لها
أظنها كاذبة وتدعي عشقك لتدخل القصر

ناوله القلادة بخوف بالغ
فهو يدرك بأن موقفا كهذا كفيل
بأن يُغضب الملك الذي يترفع دوما عن هكذا أمر

اخذ الملك القلادة ومضى يتأملها
ويلمس القلب الأزرق الذي فيها
قبل أن يسأله : –

ما اسمها قلت لي؟

أجابه الحارس:-

سرابيل سيدي

قال الملك :-

لا اذكر أحدا بأسم سرابيل
ولا أني أهديت أحداهن هذا العقد الجميل

حتما هذه متشردة
تريد أن تلفت اهتمامي إليها

خذ هذه القلادة وارمها في وجهها
ولا تدعها تلمس بوابه القصر بيدها

الحارس و هو ينحني :-

أمر مولاي

عند البوابة

كانت سرابيل تنتظر بلهفة العاشقين
وآمال المتفائلين
ودمعا يعزف على خديها لحن حزين

والمطر لا يكف يغسل منها قذارة المشردين

فبدت جميلة جدا رغم هذا البؤس والشقاء
الذي يلف كيانها المغتصب
بذنوبها التي أذنبتها طوال السنين

بدا الحارس قادم من بعيد
فوقفت و هي تتلهف لأن تدخل القصر معه

كانت واثقة بأن الملك
من إدخالها القصر لن يمنعه

وما أن وصل إليها رمى لها القلادة
ولسان حاله يقول لها :-

سيدي الملك أنكر معرفته بك
وهذه القلادة أعيدها لك

انسحبت بصمت تضمر شر
لابد لها أن تدخل مهما كلفها الأمر
لكن كيف لها هذا بملابسها الرثة
وحالها القذر

فقررت أن تسرق للحصول
على ملابس لائقة ومظهر جميل

وصدفة
ساقتها قدميها إلى محل لبيع الملابس الراقية
وإكسسوارات وأدوات تجميل

فدخلت إليه وعقلها يفكر في حيلة
تخدع بها صاحب المحل
ذو النظر الضعيف والجسد النحيل

فلما رأها صاح بها :-

من أنت وماذا تفعلين هنا؟

أجابته :-
أنا خادمة أرسلتني سيدتي لشراء فستان

البائع :-

وأين سيدتك الآن؟

أجابته :-
في تلك العربة خارج المحل
لكنها أوصتني بهذا الفستان
وأشارت إلى فستان جميل لونه أحمر قان

البائع :-

ثمنه ألف فرانك

أجابته :-
لا يهم .. فسيدتي ستدفع وإن كان بمليون فرانك

البائع وقد أخذه الطمع
فهذا ليس سعره الحقيقي بالطبع :-

حسنا أيتها الخادمة سأحضره لك

وما أن أخذته منه وهمت بالدفع له قالت :-

أوه يبدو أن سيدتي نسيت أن تعطيني النقود
دقائق سأخرج وآتي بالألف فرانك وسأعود

وما أن أصبحت خارج المحل
أطلقت ساقيها لريح
سرقة وجرم صريح
وخلفها المسكين صاحب المحل يصرخ و يصيح :-

امسكوا السارقة

لكن كل صراخه ذهب أدراج الريح !

وفي ركن مظلم استبدلت سرابيل السارقة
ملابسها القذرة
بفستان مسروق
الغريب بالأمر أنه كان بها يليق

و يمنت المسير نحو القصر الأنيق

بعد أن غسلت وجهها بماء المطر
الذي تجمع في بعض الحفر

وعند بوابه القصر همت بالدخول
مثلها مثل أي مدعوة لهذا الحفل

استوقفها الحارس قائلا :-

وجهك ليس بغريب!
أين رأيتك من قبل؟

أجابته :-
يبدو أنه اختلط عليك الأمر
فأنا لم ألتقيك من قبل

وبحركة تدل على غنج ودلال دخلت القصر

والحارس يعصر مخه أين رآها من قبل !
لكنه تناسى الأمر

وحين أصبحت في القاعة الحمراء
تقلدت القلادة الزرقاء
فتدلت على صدرها الذي يشرق نورا وضياء
فزادها حسنا وبهاء

وبدأت الحفلة

في خضم بحثها عن ذاتها
بين جموع النبلاء و الأرستقراطيين
التي فقدتها منذ سنين

فهي كانت أميرة قبل أن تزج نفسها
في أسفل السافلين

فتذكرت بعض بروتوكولات الأمراء والسلاطين

كيف تمشي وكيف تمسك كأس بيديها
دون أن تريق منه قطرة أو قطرتين

كيف تتكلم بطلاقة
وأدب وتنسى سلوك المشردين

نجحت في خداع الجميع دون استثناء
فبدت بحق أميرة تحدق فيها عيون الناظرين

فهي الأجمل بين كل من حضروا من النساء المدعوين

لدرجة أن احد الأمراء طالبها بالرقص معه
قبل أن ترفض بأدب جم
وابتسامة على الشفتين

فهي لن ترقص إلا مع من أحبها يوما
غاية في استدراك ماض دفين

توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف
بأشارة من رئيس المراسيم

وامتدت الأبواق عاليا بصوتها
للإعلان عن دخول الملك للقاعة الحمراء

فوقف الجميع دون استثناء
مع تصفيق حاد وعيونهم
على درج قد مُدت عليه سجادة حمراء

فبدا لهم الملك الذي يصرخ جمالا وحسنا وبهاء

وعزة نفس تسبقه وكبرياء

وغرور بالذات مع كل خطوة
يخطوها نحو جموع رجالا و نساء

وأميرات يقتربن منه ينحنين بأدب
وخضوع ورغبه في الرقص معه
في هذا المساء

فهو حتما سيختار واحدة فقط لترقص معه
يا لها من محظوظة
هذه التي سيقع عليها الاختيار

من يدري من هي التي قد يقع في حبها
يا لها من أقدار

فجأة ودون سابق إنذار

تأتي سرابيل من خلفه
وتضع يدها على كتفه
فيلتفت إليه بخفـه
ليفاجئ بسرابيل تضمه

والكل يشاهد هذا المشهد وقد لفه صمته
ولسان حالهم يقول
من هذه الجريئة جدا ؟

سكون تام

قبل أن يكسر الصمت بكاء سرابيل
ودمعا على خديها يسيل

و هي تقول :-

أنت حبـيبـي أنا ولن اسمح
لأنثى أن تقترب منك ولو بقليل

اخبرهم سيدي من أنا
وكيف الماضي الجميل

اخبرهم الهوى كيف كان
وكيف علمتك فنون العشق

اخبرهم كيف كنت تبكي
وكيف كنت أبادلك الدمع المسيل

اخبرهم عن حكايتي معك
وإني أول أنثى عشقتها
لن أبالي بعد اليوم بالقول والقيل

اعترف بأني خذلتك
حين تركتك وآثرت الرحيل

وبأني لم أبالي بغيرتك
واحتراق مهجتك وعذابك الكثير

اخبرهم عن هذه القلادة التي تزين صدري
الذي طالما كان لك مثير

اخبرهم سيدي ما قصتها
و من أنا لك في العشق الكبير

الكل ينتظر وقد تفاجؤو بالأمر

قبل أن يجيب الملك و هو يبعدها قائلا:-

من هذه المجنونة ؟
أيعرفها أحدكم أيها الحضور؟
من سمح لها بالدخول؟

أكل من لبس وتأنق صار من أسياد القوم
وشاركنا باحتفالاتنا ؟؟؟
هذا من سفاسف الأمور

أيها الحراس :-
اسحبوها للخارج ومزقوا ثيابها
وألبسوها ثياب الخدم
فهذه يجب أن تعود للعدم
عجبا متشردة تنشد لدينا حياة النعم

من غرر بالذبابة لتشارك الفراشات
رحيق الزهر أو أن تطير فوق القمم

سقطت عند قدميه
تترجاه أن يبقيها خادمة لديه
سترضى بأقل القليل من إحسانه وعطفه
لكنها تأبى فراقه حتى وإن ماتت جوعا بين يديه

فكر الملك قليلا فها قد أتاه الحب ذليل
الحب الذي أعطاه كثيرا
واخذ منه دمعا وحزنا وعويل

قال لها :-

سأبقيك في قصري
وتحت لواء سيادتي
لكنك ستكونين مجرد جسد

بمعنى أوضح وصريح
لا حب يربطني فيك

صُعقت المسكينة !
مهما بلغ بها الحال من ذل وتشرد
لكن كيف ترضى أن تكون مجرد ..!!

قالت له بحزن بالغ وبسؤال ساذج :-

لماذا تفعل هذا بي ؟؟

اقترب منها لاصق جسدها
وقرب فمه من أذنها وهمس لها :-

حينما كنت بالحب شريفا عفيفا
رأيتني يا سرابيل بعين النذالة رديفا

ونسيت كم لأجل الحب أبعدتك
عن نفسي حين هممت بي وهممت بك
وأبعدت عن شفتيك شفتي

وسترت صدرك العاري
وغضضت الطرف متجاهلا رغبة تعذبني
وآهات تشق أوصالي

أنتم معشر النساء لا تردن حبا صادقا
أو احتراما للذات خالصا

بل تردن ….

لم يكمل جملته الأخيرة
لأنه يدرك بأنها بهذا خبيرة

وأن المعنى وصلها حين نظرت للأرض بحياء
ومضت في استرجاع الماضي
وكيف كانت معه ماكرة شريرة

وكيف كانت تراه مجرد رجل
يشبع لها غريزتها المثيرة

وكيف يحقق لها الكبرياء والغرور
حين يهبها الدموع الغزيرة

وحين يترجاها و يتوسلها يحقق لها شعورها
بأنها ملكة على قلب ملك
وبأنها بكل الحب جديرة

تذكرت بأنه هو من صنع منها كل هذا
وهاهو يسلبها كل هذا بأن يطلبها عشيقه

الحضور في حالة ذهول

ما تراه يقول لها ؟
ومالها ترتعش كأن رجفة الموت تهز أوصالها
وأهات مسموعة تنبأ عن حالها

ابتعد عنها مسافة كافية ليرى قوامها الجميل كاملا
قبل أن يقول لها :-

القرار لك سرابيل
…. أم حالك للعدم يصير
غير هذا ليس لك عندي مصير
أحسني التفكير
ريثما انتهي من شرب كأس العصير

بالمناسبة مثلك لدي كثير كثير

لن تكوني الأولى
ولن تكوني طبعا السطر الأخير
فحتما هناك مثلكن كثير

الحب عندهن كم همست في أذنك قبل قليل

سرابيل لم تعرف الحب أصلا
فماذا ستخسر أكثر مما خسرته قبلا
قد اعتادت على أن تكون للعشق رمزا

لكن الفرق الوحيد الذي كان بين الماضي والآن

أنها كانت قد ملكت قلبه عشقا

أما هذه المرة فهي لن تكون إلا ..

الحضور في هرج ومرج
فالملك تجرأ بكلام وعن حدود الأدب قد خرج
ولم يشعر بالحرج
إن هذا الأمر لانتقام
من سيدة دست له السم في العسل

فكان الانتقام بشعا جدا
والجزاء من جنس العمـل

أنتبه الملك لما جال في عقول الحضور
فتدارك الأمر قائلا :-

أيها الحضور تابعوا شـُربكم ورقصكم
ولا تهتموا لهذه الأنثى التي تقف بجانبي
ما هي إلا …
وقد انضمت الآن للنساء في قصري
لكن على ما يبدو أنها أكثرت من الشراب
فأصبحت تخطب عن الحب والغرام
وتفاهات الكلام
أليس كذلك يا عزيزتي سرابيل؟

سرابيل :-

نعم هو كذلك أيها الملك الجميل

ضحك الجميع وسخروا
وبشرابهم ورقصهم انشغلوا

لتبدأ الحفلة الراقصة من جديد
مع إعلان الساعة الثانية عشر بالتحديد

في يوم الأحد الثامن والعشرون من كانون الأول
من العام التاسع للسنة الألفية الثانية

(( الملك ))