أبعده الله .. ما أشقاه

بعده الله .. ما أشقاه تُزَفّ مواسم الخيرات للمؤمن كَما تُزفّ العروس ، وتُهدَى إليه كأعظم هدية ، ويُبشَّر بها كما يُبشّر
بِقدوم مولود بعد طول انتظار ، أو قُدُوم عزيز غائب طال غيابه .
ولذا كان أبو سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول : ما كان في الأرض ليلة أُبَشَّر فيها
بِغُلام ويُهْدَى إليّ عَروس أنا لها مُحِبّ أحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أُصَـبِّح
بهم العدو . رواه ابن أبي شيبة وأبو يَعلى . وقال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله رجال
الصحيح .
وما ذاك إلاّ لِشِدّة حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخيرات ..
قال أبو هريرة رضي الله عنه يَصِف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم :
وكانوا أحرص شيء على الخير . رواه البخاري .
ولَمّا كانوا كذلك .. كَتَب الله لهم الفلاح مع ما نالُوا من الخيرات ..
قال تعالى : (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
أولئك آبائي ..
إذا أقبلت مواسم الخيرات جَدّوا …
وإذا أظلّتهم سحائب المغفرة استمطروها ..
وإن طرقتهم نَفَحات ربِّهم تعرّضوا لها ..
وإن هَبّت بهم لَفَحات الهاجرة استعذبوا العذاب في ذات الله ..
إن علموا شيئا من الخير طاروا إليه زُرافات ووحدانا ..

وإن اشرأبّت أعناق الفِتَن .. وجدتهم أحلاس بيوتهم ..
تسمو بِهم هِممهم إلى الثريا ! بينما تقصُر بهم دون ثرى الشرّ !
كانوا إذا علِمُوا شيئا من الخير تسابقوا إليه ، وتنافَسُوا فيه ..
كانوا يُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .. إلاّ أنهم لا يُؤثِرُون أحدا بِنصيبهم من
الآخرة …
قال أبو الفتح البستي :
دع التكاسل في الخيرات تَطلبها = فليس يَسعد بالخيرات كسلان
لا ظِلّ للمرء يَعْرى مِن تُقى ونُهى = وأن أظلّته أوراق وأغصان
وقال الثعلبي : من أغلب العادة ان الكسل لا يجتمع والسعادة .
وقال ابن القيم : أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدْرَك بالنعيم ، وأن من رافق الراحة .
” ولِهذا قالت العقلاء قاطِبة على أن النعيم لا يُدْرك بالنعيم ، وأن الراحة لا تُنال بالراحة ، وأن
من آثر اللذات فاتته اللذات ” .
يُذمّ التكاثر إلاّ في الخيرات ..
قال ابن القيم :
والتكاثر أن يَطلب الرجل أن يكون أكثر مِن غيره ، وهذا مذموم إلاَّ فيما يُقَرِّب إلى الله ، فالتكاثر
فيه منافسة في الخيرات ومُسَابَقة إليها . اهـ .
في هذا كانت مُنافسة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم ..
فقد جاء فقراء الْمُسْلِمِينَ إلى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ .
قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟
قَالُوا : يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي , وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ , وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ ،
وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ
وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ , إلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟
قَالُوا : بَلَى , يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ : ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً .
رواه البخاري ومسلم .
زاد مسلم : قَالَ أَبُو صَالِحٍ : فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ , فَقَالُوا : سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ
الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا , فَفَعَلُوا مِثْلَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ذَلِكَ فَضْلُ
اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ .
قال ابن رجب : فَكَان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء ،
ويَحْزَنُون على التخلُّف عن الخروجِ في الجهاد ؛ لِعَدَم القُدْرَة على آلَتِه . اهـ .
لقد كان التنافس على أشدِّه بين سلف هذه الأمة على فعل الخيرات .. حتى كان بعض سادات
التابعين يقولون : أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يفوزوا بمحمد صلى الله
عليه وسلم دوننا ؟ والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خَلّفوا بعدهم رجالاً !

سَارِع إلى الخيرات في موسم الخيرات .. وحَذَارِ أن تكون مَحروما ..
فقد صَعَد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : آمين ، آمين ، آمين . قيل : يا رسول
الله إنك صعدت المنبر فقلت : آمين ، آمين ، آمين . فقال : إن جبريل عليه السلام أتاني
فقال لي : مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغْفَر له ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قُل آمين ، فقلت :
آمين . ومَن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يَبرّهما فمات ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ،
فقلت : آمين . ومَن ذُكِرْتَ عنده فلم يُصَلّ عليك فمات ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ،
فقلت : آمين . رواه ابن خزيمة والحاكم وصححه ، ورواه ابن حبان .

والـبُعد هنا بِمعنى الطرد والهلاك ، ففي رواية : فأبعده الله وأسحقه .
” مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغْفَر له ، فدخل النار ، فأبعده الله ” ..
مَن أدرك رمضان فلم يُغفَر له فَمتى يلتمس المغفرة ؟
من أدرك مواسم الخيرات فلم يُغفَر له فمتى يرجو المغفرة ؟
من لم يستغل هذه الفرصة فأي فرصة يرجوها ؟
..
” فأبعده الله ” .. وذلك لأنه اجتمع له في شهر رمضان ما لم يجتمع له في غيره من
سائر الأيام ..
شهر فُتِحت فيه أبواب الجِنان ، وغُلِّقَت فيه أبواب النيران .. ويُنادي فيه منادٍ : يا باغي الخير
أقبل ، ويا باغي الشر أقصر .. ولله عتقاء من النار في هذا الشهر ، وذلك كل ليلة .
شَهْر صُفِّدَت فيه مَرَدَة الشياطين ، فلم تخلص إلى ما كانت تخلص إليه في غير رمضان ..
شهر يجِد فيه المؤمن على الخير أعوانا ..
شهر يضعف فيه سُلطان الشهوات .. ويقوى فيه سُلطان العقل ..
فلما اجتمعت كل هذه الخصال في شهر الخير .. كان المحروم من حُرِم خير هذا الشهر ..
ولذا لَمَّا دخل رمضان قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن هذا الشهر قد حَضَركم ،
وفيه ليلة خير من ألف شهر ، مَن حُرِمها فقد حُرِم الخير كله ، ولا يُحْرَم خَيرها إلاَّ مَحْرُوم .
رواه ابن ماجه ، وحسّنه الألباني .
وأوصي نفسي وإياك بِوصية علي بن محمد البسامي إذ يقول :
سابِق إلى الخير وبادِر بِهِ = فإن مِن خَلفك ما تَعلم
وقَدِّم الخير فُكُلّ امرئ = على الذي قَدَّمه يُقْدِم
ولو لم يكن في المسارعة إلى الخيرات وفيها ، إلاّ السلامة من البُعد عن الله ، والفوز بِثناء الله ، إذ يقول :

(وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59)
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ

(60)أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) .

اللهم اجعل اخر كلامي في الدنيا لا اله الا الله محمد رسول الله
اللهم ما كان من خير فمن الله و حده .. و ما كان من شر فمني او من الشيطان
اللهم لا تجعلنا ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا

للشيخ عبدالرحمن السحيم حفظه الله

*******

بعض المفاهيم حول صلاة الإستخارة

إنّ من محاسن شريعتنا الغرّاء ( الشريعة الإسلامية ): صلاة الاستخارة، التي جعلها الله
لعباده المؤمنين بديلاً عمّا كان يفعله أهل الجاهليّة من الاستقسام بالأزلام والحجارة الصمّاء،
التي لا تنفع ولا تضرّ، وعلى الرغم من أهميّة هذه الصلاة، وعِظَم أثرها في حياة المؤمن، إلا
أنّ كثيراً من الناس قد زهد فيها، إمّا جهلاً بفضلها وأهميتها، وإمّا نتيجة لبعض المفاهيم الخاطئة
التي شاعت بين الناس ممّا لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، وهذا ما أردت التنبيه إليه في هذه
العجالة، فمن هذه المفاهيم:
1- اعتقاد بعض الناس أنّ صلاة الاستخارة إنّما تُشرع عند التردد بين أمرين، وهذا غير
صحيح، لقوله في الحديث: (( إذا همّ أحدكم بالأمر..)). ولم يقل ( إذا تردد )،
والهمّ مرتبة تسبق العزم، كما قال الناظم مبيّناً مراتب القصد:
مراتب القصد خمس: (هاجس) ذكروا فـ (خاطر)، فـ (حديث النفس) فاستمعا
يليه ( همّ ) فـ ( عزم ) كلها، رُفعتْ سوى الأخير ففيه الأخذ قــد وقعا
فإذا أراد المسلم أن يقوم بعمل، وليس أمامه سوى خيار واحد فقط قد همّ بفعله، فليستخر الله على
الفعل ثم ليقدم عليه، فإن كان قد همّ بتركه فليستخر على الترك، أمّا إن كان أمامه عدّة خيارات، فعليه
أوّلاً ـ بعد أن يستشير من يثق به من أهل العلم والاختصاص ـ أن يحدّد خياراً واحداً فقط من هذه
الخيارات، فإذا همّ بفعله، قدّم بين يدي ذلك الاستخارة.

2- اعتقاد بعض الناس أنّ الاستخارة لا تشرع إلا في أمور معيّنة، كالزواج والسفر ونحو ذلك،
أو في الأمور الكبيرة ذات الشأن العظيم، وهذا اعتقاد غير صحيح، لقول الراوي في الحديث:
(( كان يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها.. )).
ولم يقل: في بعض الأمور أو في الأمور الكبيرة، وهذا الاعتقاد جعل كثيراً من الناس يزهدون في
صلاة الاستخارة في أمور قد يرونها صغيرة أو حقيرة أو ليست ذات بال؛ ويكون لها أثر كبير في حياتهم.

3- اعتقاد بعض الناس أنّ صلاة الاستخارة لا بدّ لها من ركعتين خاصّتين، وهذا غير صحيح،
لقوله في الحديث: (( فليركع ركعتين من غير الفريضة.. )).
فقوله: ‘من غير الفريضة’ عامّ فيشمل تحيّة المسجد والسنن الرواتب وصلاة الضحى وسنّة
الوضوء وغير ذلك من النوافل، فبالإمكان جعل إحدى هذه النوافل ـ مع بقاء نيتها ـ للاستخارة،
وهذه إحدى صور تداخل العبادات، وذلك حين تكون إحدى العبادتين غير مقصودة لذاتها كصلاة
الاستخارة، فتجزيء عنها غيرها من النوافل المقصودة.

4- اعتقاد بعض الناس أنّه لا بد من انشراح الصدر للفعل بعد الاستخارة، وهذا لا دليل عليه،
لأنّ حقيقة الاستخارة تفويض الأمر لله، حتّى وإن كان العبد كارهاً لهذا الأمر، والله عز وجل يقول:
(( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))(البقرة:216) ..
وهذا الاعتقاد جعل كثيراً من الناس في حيرة وتردد حتى بعد الاستخارة، وربّما كرّر الاستخارة مرّات فلا
يزداد إلا حيرة وتردّداً، لا سيما إذا لم يكن منشرح الصدر للفعل الذي استخار له، والاستخارة إنّما شرعت
لإزالة مثل هذا التردد والاضطراب والحيرة.

5- اعتقاد بعض الناس أنّه لا بدّ أن يرى رؤيا بعد الاستخارة تدله على الصواب، وربّما توقّف عن
الإقدام على العمل بعد الاستخارة انتظاراً للرؤيا، وهذا الاعتقاد لا دليل عليه، بل الواجب على العبد
بعد الاستخارة أن يبادر إلى العمل مفوّضاً الأمر إلى الله كما سبق، فإن رأى رؤيا صالحة تبيّن له الصواب،
فذلك نور على نور، وإلا فلا ينبغي له انتظار ذلك.

هذه بعض المفاهيم الخاطئة حول صلاة الاستخارة، والتي قد تصدر أحياناً من بعض المنتسبين للعلم،
ممّا يؤصّل هذه المفاهيم في نفوس الناس، وسبب ذلك التقليد الجامد، وعدم تدبّر النصوص الشرعية
كما ينبغي، ولست بهذا أزكي نفسي، فالخطأ واقع من الجميع.
هذا ومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليراجع كتابي: ( سرّ النجاح ومفتاح الخير والبركة والفلاح )،
وهو كتيّب صغير الحجم، ففيه المزيد من المسائل المهمة، والشواهد الواقعية الدالة على أهمية هذه الصلاة، وفهم
أسرارها ومراميها، والله تعالى أعلم.

الشيخ: د . محمد بن عبدالعزيز المسند

المصدر: شبكة نور الإسلام