قصة حب رائعة بين بدر وبدور
أشرقت الشمس في جو رطب وبدت الحركة تدب في ذلك الحي الذي تناثرت به الدور الشعبية المقامة بحجارة البلوك والطوب، كان في طرف الحي احدي هذه البيوت أمامه مساحة كبيرة من الأرض بها بعض السيارات التالفة التي أكلها الصدأ ، كما كان هناك شجرة ضخمة في منتصف الأرض الخاوية بها الكثير من الثمار الصغيرة قد نضجت ، كانت تقف امام البيت سيارة، فُـتح باب البيت وخرج منه طفلا في الخامسة من عمره يرتدي ثوبا أبيضا وفي قدمه حذاءا صغيرا أبيض اللون وعلي رأسه طاقية نسجت ببعض خيوط القصب، قليلا وجاء برميل الماء يجره حمار ممتطيا ظهره رجل مُسن ، وقف أمام الباب طارقاً أياه بعصا في يده0 خرج اليه رجل في بداية الثلاثينات من العمر وأشار له بادخال الماء .. بدأ يسكب الماء في صفائح ويدخل بها ، أخذ الطفل يداعب الحمار بورقة في يده، جذبها الحمار منه وأخذ يلوكها ارتعب من ذلك وضحك بخوف متراجعاً من أمامه ، أتي السقا بالصفيحتين فارغتان0التفت اليه محذرا قائلا له.. إنه يعض .. جاء الرجل وأخرج ريالا وأعطاه للسقا الذي قفز بخفة علي ظهر الحمار الذي جري مسرعا مخلفا وراءه غبار الشارع الترابي نظر الي طفله قائلا : بدر يالله يابوي أدخل.. أخذ الطفل طاقيته من فوق رأسه وقام ينفضها علي ركبته قائلاً: أبغى أروح لشجرة الحلوي
الأب - حلوي.. أدخل.. أدخل..
الطفل - ماهو لي الحلوي..
الأب - لمين؟
الطفل - لبدور..
الأب - الله يعين عليكِ يابدور ، ياولدي من يوم ماسكنوا جنبنا وانت كل يوم تحت هالشجرة وبالحجارة ..
الطفل مثنيا ظهره قائلا لأبيه - بدور تحب الحلوي..
الأب ضاحكا - والله ياولدي ماانت هين ، يالله أدخل
الطفل - أقولك أبي أروح أجيب حلوي..
الأب ناظرا اليه بعطف - ماعليه بعد الفطور ..
دخل البيت وأتي بقدر صغير وركب سيارته ماركة (ديزوتو طراز 1372 هـ) وأشار لابنه بالركوب فاتحا له الباب ، ذهبا الي الفوال الواقع في أول الشارع ..أخذ بقرشين فول وحبتان تميس بأربعة قروش ورجعا الي البيت .. أفطر الجميع الأب والأم وبدر ، بعدما غسل يداه الصغيرتان أسفل برميل ماء موضوع في حوش البيت ، اتجه للباب وصوت أباه ورائه - علي وين ؟
نظر لأبيه وأمه وهو يهم باغلاق الباب قائلا - أبجيب حلوي لبدور
نظرت الأم للأب وانفجرا الإثنان ضاحكين..
أخذ بدر يلقي الشجرة بالحجارة وكلما تساقطت الثمار قام بوضعها في جيبه ، بعدما ملئت جيوبه بالحلوي اتجه الي البيت المقابل لبيتهم والذي يشبهه في الشكل ، بعدما طرق الباب خرج اليه رجلا وما أن رآه حتي رحب به قائلا مرحبا بك يابدر ماشاالله عليك ولايوم خلفت في وعدك ، وقام ينادي يابدور يابدور تعالي جاكي الحلوي0 قفزت الصغيرة ذات الخمس سنوات من فراشها وجرت الي الباب بدت علي ملامحها الغضة السعادة وهي تراقب بدر بعينين واسعتين لايزال باديا عليهما أثر النوم ، وهو يقوم باخراج الحلوي من جيوبه جاءت أم بدور ووقفت وراء زوجها وابنتها قائلة: كيف حال أمك يابدر؟ بدر لايزال مشغولا باخراج الحلوي من جيوبه قائلاً: أمي في البيت تطبخ الأم ضاحكة أنا ماقولك ايش تسوي أقول كيف حالها ؟
بدر يقوم بوضع الحلوي في طرف ثوب بدور .. مادري
الأم - ماتدري طيب سلم عليها
بدر - طيب
أبو بدور - اللي أخذ عقلك يتهنابه يابدر ولما هم بالانصراف أوصته أم بدور أن يخبر أمه أنها سوف ُتسير عليها اليوم بعد العصر ..
جلست أم بدر في حوش البيت ومعها جارتها أم بدور وكان بجوارهما بدر وبدور يلعبان بعدما انتهيا الطفلان من لعبهما جاءا وجلسا جوار أمهاتهما..
بدر: أمي أبي بدور تجلس معنا هنا في البيت ماتروح ..
الأم - والله ياولدي هذي أمها ان وافقت
أم بدور - يزعل أبوها بعدين يابدر
بدر - لا مايزعل أنا أبي أقول له
أم بدور - يالله يالله يابدور يالله يابنتي لحسن أنا شايفة الصدق في عيون بدر
أم بدر - تونا الله يهديكِ
أم بدور - معليش اسمحي لي يا أم بدر بيتكم عامر أبو بدور علي وصول ولازم أجهز له العشا
يالله مع السلامة ..وتوادعت الجارتان
بعد حضور أبو بدر بقليل تناول طعام عشاءه وجلس جوار المذياع الضخم في الحوش يستمع لنشرة الأخبار جاء بدر وعانق أبيه وجلس في حضنه ونظر اليه مستجديا الله يخليك يابوي خلي بدور تيجي تعيش معنا هنا..
الأب - طيب ياولدي ماعندي مانع بس وين تبي تحطها..
بدر - معنا في غرفتنا..
الأب - الغرفة ياولدي يالله تسعنا..
بدر - طيب نحطها بالمجلس..
الأب - والضيوف لاجو وين يقعدون..
بدر - الله يخليك يابوي.. طيب أنا أبني لها عشة هنا في الحوش اسكن فيها هيا وأنا..
الأب - ماشاءالله عليك ياولدي وهم قالوا لك أهلها انهم مايبونها..
بدر - الله يخليك.. الله يخليك..
الأب - أسمع يابدر أنا عندي رأي -
الطفل محملقا في أبيه بحيرة ..
يبيلك تصبر لما تنتهي من الدراسة وبعدين تشتغل وتجمع فلوس وتبني بيت وعندها أبشر ان شاءالله باللي يجيبلك بدور لغاية عندك..
بدر - يعني متي؟... أمس ولا بكرة...
الأب - لا أمس ولا بكرة ياولدي.. بعدين أعلمك ..
وقام الأب بحمل ابنه الي فراشه لينام ولكن الطفل بقي جالسا علي فراشه .. جاءت أمه وجلست بجانبه .. قام بوضع رأسه الصغير علي ركبتها قائلاً لها : أمي - أبوي يقول أبني بيت أسكن فيه بدور وأنا ..
الأم - ماسحة علي رأسه وجبهته ، متي؟
بدر - أمس..
الأم ضاحكة.. بكرة ماهو أمس ، أمس راح..
بدر - مادري أبوي يقول كذه..
لاحظت الأم وهي تمسح علي جبهته أن حرارته مرتفعة قليلا ، نظرت اليه بقلق وسألته تحس بشئ يابدر؟
راسي يوجعني وبردان... غطيني قامت بتغطيته ، تأملها ثم ضحك وقال : بردان ذهبت وأتت بوعاء فيه ماء وقماشة وبدأت في عمل كمادات له ، تأملها بشوق قائلا لها... أحبك يا أمي وأحب أبوي وأحب بدور ضمته بحرارة وشوق .. هبطت حرارته قليلا ، إطمأنت ، عاودته الحرارة عند منتصف الليل ، قام أباه وجدها جالسة بجوار ابنها. وضعت كمادة علي رأس ابنها وقالت له - الحرارة مرتفعة وش رأيك تروح به للصحية قام من فوره وارتدي ثيابه وحمله علي كتفه نام بجوار أبيه علي مقعد السيارة الأمامية ، اتجه الي الصحية من خلال الشوارع الترابية المظلمة ، كان كل شئ هادئا سوي صوت صافرة العسس ونباح الكلاب وصل به للصحية ، قام بالكشف عليه طبيب ، بعد ماقاس حرارته ، نظر الي أبيه قائلا - الحرارة أربعين وشرطة ، انها مرتفعة يجب أن نفعل شيئا قبل الكشف عليه ومعرفة مرضه ..
قام الطبيب باعداد ابرة وقام بضربه اياها ، نظر الي أباه القلق وقال له.... سوف تهبط هذه الابرة حرارته غادر الطبيب ، وجلس يراقب ابنه ويلمس جبهته ..
أغمض بدر عينيه ، اعتقد أباه أنه نائم - لاحظ برودته - نادى عليه بهدوء - أحس بأن قلبه يكاد يقفز من صدره - هزه بيده - لم يتحرك - ركض منادياًالطبيب ، جاء الطبيب ، عندما فحص الطفل لاحظ أباه ارتباكه - اتجه بسرعة ونادي طبيبا آخر.. جلس الأب علي الكرسي الخشبي في حالة ذهول غير مصدق مايجري أمامه جاء الطبيب الآخر وأخذ يقلب زجاجة المسحوق الذي حقن به الطفل وسأل الطبيب - حقنته من هذه! مشيرا الي الزجاجة؟ أجاب بصوت مرتعش وهل أخطأت في ذلك ؟ .. كانت حرارته مرتفعة..
الطبيب - كان يجب أن تستخدم خافضات حرارة أخري ، فهذا الدواء مفعوله قوي ولايناسب جسمه وكانت حرارته مرتفعة أجهش الطبيب المعالج بالبكاء.. التفت الطبيب الآخر للأب الذي لايكاد يصدق مايحدث أمامه قائلا له.. أنت يا أخي رجل مؤمن ان شاءالله ..يجب أن تحتسب ابنك ..لقد مات.. وضع طرف غترته الحمراء علي وجهه وأخذ يبكي ويردد.. انا لله وانا اليه راجعون انا لله وانا اليه راجعون ..
مر أسبوع علي وفاة بدرولازالت بدور تنتظر أن يأتي بدر ومعه الحلوي وكلما سألت أمها : فين بدر ؟ ماقلتيلي راح عند الله وحيرجع بعدين ، تخفي الأم دموعها وتقول - ان شاءالله يابدور ان شاءالله ..
وفي يوم رأي أبو بدر بدور تجلس تحت ظلال شجرة الحلوي.. جاء اليها ووقف عندها وسألها : وش عندك يابدور بهالجلسة ؟ بدور - أستني بدر يجيبلي حلوي من الشجرة.. أدار وجهه عنها حتي لاتري دموعه - أخاف يابنيتي ماييجي بدر لكن تدرين هذا أبو بدر حاضر ، قومي من تحت الشجرة وأنا هالحين أبي أجيبلك حلوي مثل ماكان بدر يجيبلك وعندما أخذ حجرا ليرمي به الشجرة نظرت اليه وقالت له بتلعثم وبراءة لا لا ترمي حجر.... هذه شجرة بدر هو ييجي بعدين ويجيبلي حلوي .. رمي الحجر من يده وأدار ظهره متجها لبيته - يبكي بصمت
مرت الليالي والأيام والسنين وتزوجت بدور وأنجبت أولاد ولازالت العائلتان تتزاوران ولم تزل شجرة الحلوي في مكانها وقد جفت اوراقها وغصونها وأحاطت بها الشوارع الواسعة واشارات المرور والعمائر ولكن ذكراها لم تزل خضراء في ذاكرة بدور0 وكلما مرت من عند الشجرة قالت لزوجها وأبنائها هذه شجرة بدر ..
وتمر سنين أخري وتزال شجرة الحلوي من مكانها .. ولم تزل ذكرى شجرة الحلوي خضراء في ذاكرة بدور .. يلتف أحفادها حولها لتحكي لهم حكاية بدر وشجرة الحلوي
منقول من الساحة العربية من الأخ/عبدالرحمن الشويعر
التعديل الأخير تم بواسطة : فــ الأندلس ــارس بتاريخ 17-11-2003 الساعة 11:36.
|